معنى ونشأة البروباغندا | وتأثيراتها وأهميتها في تشويه الحقائق

عالمنا اليوم هو عالم الملذات والشهوات ، هذا العالم الذي نزعت منه كل القيود وأصبحت الرغبة مقدسة والقيد عيب بل ومذلة فيكفي أن تسيطر على الرغبات حتى تسيطر على الشعوب والمجتمعات ، ربط مفهوم الحرية بمفهوم الرغبة وهذا جعل من الاستهلاك أيقونة المجتمعات ، فقد تشتري أشياء لا معنى لها ولن تستعملها في أي شيء بأثمنة رهيبة لأن البروباغندا صورت لك أن ذلك الشيء ذو قيمة كبيرة .

معنى البروباغندا

البروباغندا تتمثل في تضخيم وتحجيم حدث معين ، رغم أنه لا قيمة له ولا معنى له ، وبسبب تطور الاعلام أصبحت المصطلح واحدا من أهم الوسائل للكذب وطمس الحقائق ، حيث نرى تحجيم وتضخيم لحدث معين رغم صغره ، أو تضخيم مشكلة معينة رغم أنها ليست بالكبيرة ، وهذا لقضاء مصلحة معينة ؛ حيث تستعمل البروباغندا الكثير من المصطلحات ، التي تنفع وتهم الشخص الذي يريد طمس حقيقة معينة ، بحيث يمكن أخذ مقالة معينة من صحيفة مشهورة في قضية لا علاقة لها بالموضوع ، أو يقوم البعض بأخذ مقالات قديمة كتبتها الصحف الكبرى والعالمية فيما سبق للترويج لقضيتهم ، كما تستعمل منابر الأخبار من القنوات التلفازية والراديوا والصحف .

أو يمكن استعمال المشاهير للترويج لحدث معين ، كما يمكن استعمال الدباب الالكتروني لاقناع الناس بالأكاذيب ، لكي يظن الناس أن الأغلبية متعاطفة مع القرار الفلاني ، وهذا ما يؤثر على نفسيتهم ويجعلهم ينضمون للبقية . كما تستعمل العاطفة الدينية أو العاطفة الوطنية لقضاء أغراض أشخاص لا هم ينفعون الوطن ولا هم ينفعون الدين .

ظهور مصطلح البروباغندا

يعود أصل الكلمة إلى “ثيميستوكليس” اليوناني ، بعدما هزيم عدوه اللدود “زركسيس” في 480 قبل الميلاد ، وفي هذا الوقت قام ثيميستوكليس بوضع صوره على العملات النقدية ، وصنعت له التماثيل والرسومات ، كدلالة على القوة والنصر .

التأثير

تؤثر البروباغندا بشكل ملحوظ على عقول الناس ، بحيث قد يدافعون عن مجرم وكأنه شخص جيد ، وقد تؤدي بهم البروباغندا إلى بيع ممتلكاتهم من أجل تعزيزي دعاية معينة ، خاصة إذا أصبح للأغلبية وعي جماعي بدعاية معينة ، ونرى هذا في دفاع البعض عن مجرم حرب بكل ما يملكون من قوة ، رغم أنهم هم أنفسهم مضرورن منه ، كما تساهم البروباغندا في تكوين أغلبية أفكارنا وأرائنا ، نظرا لكوننا كائنات اجتماعية ، لكن يمكننا أن ندرك الحقائق إذا وضعنا أنفسنا في مكان الحياد ، لكن هذا يعد صعبا ، فغالبا ما تؤثر علينا البرمجة التي تعرضنا لها ، لذلك وجب علينا عدم تصديق كل ما نراه وما نسمعه ، بشكل بفوري أو بشكل متعصب أيضا .

وغالبا ما تستعمل البروباغندا بشكل تدريجي لكي يتقبلها الناس ، أما القرارات الحاسمة والسريعة إذا كانت لا تصب في مصلحة الناس فسوف يعارضونها ويثورون عليها ، لذلك فتأثير البروباغندا يكون تريجيا .

الأهمية

تتجلى أهمية البروباعندا في الدعاية بالقوة والفطنة والاهتمام أيضا ، تسوق البروباغندا للناس الأوهام في العديد من الحالات ، لكن ليست البروباغندا كلها لها استعمال سلبي ، فمثلا شاعت الكثير من الدعايات أثناء فترة الاستعمار ، بالنسبة للدول المستعمرة وهذه الدعاية ساهمة في هزيمة المستعمر ، كبروباغندا أن المستعمر يريد  تكفير الناس وابعادهم عن دينهم ، لكن الحقيقة لم تكن هذه هي طموح الاستعمار ، فطموحه كان ماديا بكل معنا للكلمة ، أو نشوء دعايات أنه سيظهر مخلص يخلص الناس من استعبادهم ، وهذا ما يساعد الثورات في نجاحها ، حيث تلقى اقبالا كبيرا من طرف الناس .

وهناك استعمال سيء للبروباغندا ، ويتمثل ذلك في الدعاية التي استعملها الدو اعش في الترويج إلى أفكارهم ، أو البروباغندا التي يروج لها جيش الاحتلال الاسرائيلي ، بكون اسرائيل لا تريد الحرب بل هي مظلومة ، رغم أن اسرائيل ترتكب العديد من الجرائم في حق الشعب المنكوب ( الفلسطيني ) ، كما يروج جيش الاحتلال لنفسه بالعادل بكونه اشترى الأراضي الفلسطينية ، وليس كونه احتلها بقوة السلاح بدعم بريطاني وبعد ذلك أمريكي ، كما تستعمل البروباغندا في تشويه الحقائق ، بدعايات كاذبة لا علاقة لها بالواقع ، فالعديد من الأفلام تروج إلى عظمة أمريكا ، أو عظمة حاكم معين رغم تزيف الحقائق ، أو الأخبار التي يروج لها التلفاز المدعوم من الحكومات الديكتاتورية ، فهي تروج لأكاذيب كي تسكت أفواه الناس ، أو تروج للحاكم على أنه رجل عظيم ويهمه حال شعبه رغم أنه لا يستفيق من النوم أبدا .

البروباغندا الدينية

يعرف الدين أنه واحد من أهم البروباغندا التي تستعمل لكي يروج لدعاية معينة ، فمثلا استعمل الدين للترويج للحروب الصليبية التي أودت بملايين الناس ، كما ساعد الدين في اخماد الثورات خاصة في القرون الوسطى ، حيث كانت الناس تفتقر لأبسط شروط الحياة ورغم ذلك ظلوا صامتين معتقدين أن المطالبة بحقهم شيء محرم ، أي الخروج عن طاعة ولي الأمر ( الملك والكنيسة ) شيء محرم وسيودي بهم إلى جهنم في أخر الدنيا . لكن تكسر هذا الحاجز بظهور الثورة الفرنسية ، التي قامت بنشر العلمانية ومفهوم الدولة الحديثة .

ساعدت بروباغندا الدين أيضا في تدمير العديد من الدول ، على رأس هذه الدول أفغانستان ، التي تصاعدت فيها أصوات التعصب التي أحرقت البلاد ومزقتها ، وجعلتها تعاني لسنوات بسبب البروباغندا ، فأفغانستان كانت دولة كأي دولة ، لكن في سنة 1979م قامت حرب طاحنة بين الاتحاد السوفياتي ، الذي استدعته الحكومة الشيوعية والاسلاميين الذين دعمتهم أمريكا ومنابر البروباغندا في المساجد ، هذه البروباغندا أدت إلى ذهاب العديد من الأشخاص من جميع الدول الاسلامية ، لطرد جيش الاتحاد السوفياتي الكافر حسب دعاية المنابر ، هذا في النهاية أدى إلى تمزيق بلاد بأكملها . وهناك دول أخرى ساهمة الدعاية الطائفية في تمزيقها كسوريا والعراق واليمن ، والعديد من البلدان المسيحية ك سكوتلاندا وبريطانية ، حيث كان في بداية الأمر صراع بين الطائفة البروتستانتية والكاثوليكية ، هذا أدى إلى العديد من الحروب ، بل أدى إلى العداء لقرون مضت ، حالها كحال الشيعة والسنة في البلاد العربية التي تعاني من الطائفية .  

البروباغندا السياسية

البروباغندا السياسية ساهمة في العداء بشكل كبير ، كالبروباغندا النازية ، التي كانت قائمة على اكذب ثم اكذب ثم اكذب فيصدقك الناس ، البروباغندا السياسية ساهمة في العداء الذي كان قائما بين الشيوعيين والرأسماليين ، حيث كانوا يتصادمون في الكثير من السياسات ، وهذا ما أدى إلى نشوء البروباغندا ، التي كانت تصدر للناس العديد من الأكاذيب التي لا معنى لها ، ولا وجود لها ، كأن السوفيات يريدون قتل الأمريكيين ، رغم أن هذا ليس هو مضمون الصراع ، فالصراع كان سياسيا وليس بين الشعوب .

كما أن البروباغندا السياسية ، أصبحت تستعمل لتكريه فئة معينة في فئة أخرى ، حيث نرى مثلا الأحزاب القومية تكره الناس  في دين معين ، كما تقوم بتكريه الناس في المهاجرين الذين هم في الأصل بشر مثلهم ، حيث يروجون لبروباغندا أن المهاجرون يريدون طمس هوية البلاد وغيرها ، أو البرباغندا التي استعملها الأمريكان لغزوا العراق ونهب ثرواتها ، حيث طمست الحقائق واستبدلت بأكاذيب ، كأن نظام صدام الحسين يمتلك قنبلة نووية ، وأنه يدعم الارهاب ، رغم أن نظام صدام الحسين كان كارها للتعصب وحارقا للإرهاب ولم يجدوا أي قنابل نووية .

البروباغندا والديموقراطية

بعد الحرب العالمية الثانية انتهى زمن الديكتاتورية المرئية ، وظهر زمن الديكتاتورية الخفية ، حيث برزت أنظمة أقل استبدادية ظاهريا خاصة في الدول الغربية ، فأغلب الناس يعتقدون أن الديموقراطية هي أن يحكم الشعب نفسه ، لكن الحقيقة الديموقراطية هي سيطرة خفية لقلة من الأفراد على السلطة ، وهذه القلة تتمتع بكفاءة فكرية ومالية ، تستطيع تأطير الشعب والتحكم بالعقول ، وكصورة أوضح فقد نعتبر الديموقراطية ديكتاتورية خفية ، وهذا يجعلها تستمر لمدد طويلة لكونها لا تصطدم مع الشعوب ، خاصة وأن الشعوب كأفراد لا يهتمون إلا بمصالحهم الشخصية ، إلا قلة منهم .

وإن مبدأ التحكم في العقول يجعل الأفراد يشعرون بحريتهم ، لكنهم في حقيقة الأمر فهم تحت تأثير البروباغندا التي تستمد قوتها من الرغبة ، وإن أخطر شيء هو أن ترتبط فكرة الحرية الفردية بالرغبة في الملذات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى